الأريعون الوقفية الْحَدِيثُ الثَّانِي الْوَقْفُ جَرَيَانٌ لِلْحَسَنَاتِ.
السلاسل العلمية- د.عيسى القدومي
- جمعية الدراسات والتنمية الوقفية
- أكتوبر 2026
المحتوى
الْحَدِيثُ الثَّانِي
الْوَقْفُ جَرَيَانٌ لِلْحَسَنَاتِ.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَرْبَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا أُجْرِيَ لَهُ أَجْرُهُ مَا عَمِلَ بِهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَجْرُهَا يَجْرِي لَهُ مَا جَرَتْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا، فَهُوَ يَدْعُو لَهُ ([1]).
الشرح:
الأيام تمضي، والعمر قصير، والحياة زائلة، والفرصة في بذل الخير في الدنيا لن تتكرر، وقد أنعم الله على عباده وهيئ لهم من الأعمال ما يستمر فيها الأجر إلى ما بعد الممات؛ فجعل الحسنات تزداد للمتصدقين، والمحسنين وهم في قبورهم، يغنمون من الحسنات ما لم تكن في الحسبان، ومنهم أناس يكسبون من
الحسنات بعد مماتهم أكثر مما كسبوه في حياتهم، وهؤلاء تحقق في وقفهم الإخلاص لله عز وجل، ومتابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلوا من الأسباب، واجتهدوا ليدوم عطاء وقفهم، ويخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ([2]) عن أربعة تستمر فيها الأجور حتى بعد الموت، فلا ينقطع ثوابها بموت أصحابها، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته الواسعة على عباده أن المسلم يستطيع أن يعمل من الأعمال في حياته ما يستمر معها الأجر والثواب، ولا ينقطع بعد موته.
وتفصيلها كما يلي:
أولاً: من مات مرابطًا في سبيل الله:
فالمرابط في سبيل الله عمله عظيم، وأجره أعظم، فقد بذل نفسه للجهاد في سبيل الله، ولنشر دينه؛ فنال هذا الأجر الدائم.
ثانيًا: من علم علمًا أجرى له عمله ما عمل به:
وما زلنا نذكر علماء ماتوا من مئات السنين، ونترحم عليهم، وندعو لهم؛ بعد أن تركوا لنا علمًا نتعلمه منذ أكثر من ألف عام، وكلما كان العلم أكثر نفعًا وأوسع انتشارًا كلما كان أعظم ثوابًا.
ثالثًا: من تصدّق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت:
فمن أسس وقفًا فهو له صدقة جارية، ولو مات الواقف فإن أجره مستمر؛ ما دام الوقف مستمرًا.
ومن بنى مسجدًا فكل صلاة تؤدى في هذا المسجد، وكل كلمة تقرأ من كتاب الله سبحانه وتعالى في المسجد، وكل أذان يرفع عند كل صلاة، وكل درس علم ينعقد؛ في صحيفة من ساهم في بناء وتأسيس هذا المسجد، وكذلك كل وقف استمر نفعه ودام عطاؤه.
رابعًا: ورجل ترك ولدًا صالحًا يدعو له:
أي: إنسان ترك ولدًا -ذكرًا أو أنثى- فهو يدعو له بالرحمة والمغفرة، فدعاؤه أسرع قبولا من دعاء البعيد.
فإذا عمل الولد الصالح أعمالاً صالحة فإن لوالديه الذين أحسنا تربيته وتعليمه مثل أجره؛ دون أن ينقص من أجره شيء، وهذه صدقة جارية يوفق لها الفقير والغني.
ومن صلاح الأبناء وبرهما بوالديهما بعد موتهما: المحافظة على استمرار ما خلفوه من أوقاف وصدقات جارية، كمن بنى مسجدًا، أو وقف عقارًا جعل ريعه في أوجه البر، أو ترك علمًا نافعًا، أو حفر بئرًا، أو كفل يتيمًا، ونحو ذلك؛ فإنه ينبغي على البررة والأوفياء من أهله المحافظة على استمرار تلك الأوقاف، والصدقات الجارية؛ حتى يثابوا على ذلك، ويجري أجرها على ميتهم بعد موته بإذن الله سبحانه وتعالى ([3]).
الحكم والفوائد المستنبطة من الحديث:
1- الدلالة على أن الميت ينتفع بما تسبب لنفسه في حياته من عمل صالح.
2- أن النماء الحقيقي لعمل المسلم هو ما استمر نفعه ودام أجره، الذي ولا ينتهي بموته.
3- أهمية اغتنام الحياة، والأوقات، بالمبادرة، والحرص على الاستكثار من الأعمال الصالحة، والصدقات الجارية ذات النفع المتعدي؛ التي تجري أجورها ونفعها في الحياة وبعد الممات.
4- الحث على تربية الأبناء تربية صالحة، والاجتهاد في تربيتهم على طاعة الله، وخشيته والقرب منه، والحرص على استمرار الخير في أبنائهم؛ وذلك بتوصيتهم على دوام فعل الخير، ورعاية أعمال الخير التي أنشأها والدهم في حياته.
5- حث الأبناء للاجتهاد في الدعاء للآباء في حياتهما وبعد مماتهما وانقطاع أعمالهما.
([1]) حسنٌ لغيره؛ أخرجه أحمد وغيره من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وله شواهد صحيحة، منها حديث سلمان في صحيح مسلم (1913(، فحسّنه المنذري والمناوي، وحسّنه الألباني السلسلة الصحيحة (3948)، صحيح الجامع (877).
([2]) وفي رواية أخرى: أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: رجل مات مرابطًا في سبيل الله، ورجل علم علماً فأجره يجري عليه ما عمل به، ورجل أجرى صدقة فأجرها له ما جرت، ورجل ترك ولدًا صالحًا يدعو له. رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم: (114).
([3]) بر الأموات والإحسان إليهم، وليد السعدون، (ص 31)، دار القاسم.
